ابن قيم الجوزية
499
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
ثم عاينوه ، ولم يؤمنوا ، لعوجلوا بالعقوبة ، ولم ينظروا . وأيضا فإنه جعل الرسول بشرا ، ليمكنهم التلقي عنه والرجوع إليه ، ولو جعله ملكا فإما أن يدعه على هيئة الملائكة أو يجعله على هيئة البشر ، والأول يمنعهم من التلقي عنه ، والثاني لا يحصل مقصودهم ، إذا كانوا يقولون : هو بشر ، لا ملك . وقال تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ( 95 ) [ الإسراء ] . فأخبر سبحانه عن المانع من إنزال الملائكة ، وهو أنه لم يجعل الأرض مسكنا لهم ، ولا يستقرون فيها مطمئنين ، بل يكون نزولهم لينفّذوا أوامر الرب سبحانه ، ثم يعرجون إليه ، ومن هذا قوله : وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ( 59 ) [ الإسراء ] . فأخبر سبحانه عن حكمته في الامتناع من إرسال رسله بآيات الاقتراح والتشهّي ، وهي أنها لا توجب الإيمان ، فقد سألها الأوّلون ، فلما أوتوها كذبوا بها ، فأهلكوا ، فليس لهم مصلحة في الإرسال بها ، بل حكمته سبحانه تأبى ذلك كل الإباء ، ثم نبه على ما أصاب ثمود من ذلك ، فإنهم اقترحوا الناقة ، فلما أعطوا ما سألوا ، ظلموا ، ولم يؤمنوا ، فكان في إجابتهم إلى ما سألوا هلاكهم واستئصالهم . ثم قال : وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ( 59 ) [ الإسراء ] أي : لأجل التخويف ، فهو منصوب نصب المفعول لأجله . قال قتادة : إن اللّه يخوّف الناس بما شاء من آياته ، لعلهم يعتبرون أو يذكرون أو يرجعون ، وهذا يعم آياته التي تكون مع الرسل ، والتي تقع بعدهم